منتدى* ايمن فاتح * للتربية و الترفيه

ألف حكاية وحكاية مع ايمن فاتح الجزائري

اذهب الى الأسفل

ألف حكاية وحكاية مع ايمن فاتح الجزائري

مُساهمة  Admin في الخميس ديسمبر 31, 2009 11:07 am

************************************************************
القصة رقم 1
الدينار الذي ولد درهم

قال أشعب:
جاءتني جارية بدينار وقالت: هذا وديعة عندك. فجعلته بين ثني الفراش. فجاءت بعد أيام وقالت:
بأبي أنت! الدينار.
فقلت:
ارفعي فراشي وخذي ولده فإنه قد ولد.
وكنت قد تركت إلى جانبه درهما. فأخذت الدرهم وتركت الدينار.
وعادت بعد ايام فوجدت معه درهما آخر فأخذته، وفي الثالثة كذلك.
وجاءت في الرابعة، فلما رأيتها بكيت، فقالت:
مايبكيك؟
قلت:
مات دينارك في النفاس.
قالت:
وكيف للدينار نفاس؟
قلت:
يا فاسقة! تصدقين بالولادة ولا تصدقين بالنفاس؟!.
القصة رقم 2

بيت لا فرش فيه
قال ابن درّاج الطُّفَيلي:
مرّت بي جنازة ومعي ابني، ومع الجنازة امرأة تبكي الميت وتقول:
بك يذهبون إلى بيت لا فرش فيه ولا وطاء(1)، ولا ضيافة ولا غطاء، ولا خبز ولا ماء.
فقال لي ابني:
يا أبة، إلى بيتنا والله يذهبون بهذه الجنازة!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوطاء خلاف الغطاء، أي ما تفترشه
************************************************************
القصة رقم 3


يا سلام سلِّم، الحائط بيتكلم!
في شهر رجب من سنة 781 هجرية، اتفقت حادثة مستغربة: وهي أن رجلاً يعرف بابن الفيشي دخل إلى منزله بالقرب من الجامع الأزهر، فسمع صوتاً من جدار بيته يقول له:
اِتقِ الله وعاشر زوجتك بالمعروف !
فظنَّ أن هذا من الجان، فإنه لم ير شيئاً. وحدّث أصحابه بذلك، فصاروا معه إلى بيته، فسمعوا الكلام من الجدار. فسألوا عما بدا لهم، فأجابهم المتكلم من غير أن يروا شيئاً. فغلب على ظنهم أن هذا من الجان، وأشاعوه في الناس، فارتجَّت القاهرة ومصر، وأقبل الناس من كل جهة إلى بيت ابن الفيشي لسماع كلام الحائط، وصاروا يحادثون الحائط ويحادثهم. فكثر بين الناس قولهم:
يا سلام سلِّم، الحائط بيتكلم!
وكاد الناس أن يفتتنوا بهذا، وجلبوا إلى ذلك الجدار من المال شيئا كثيرا.
فركب محتسب القاهرة(1)محمود العجمي إلى بيت ابن الفيشي هذا ليختبر ما يقال، ووكَّلَ با بن الفيشي أحدَ أعوانه. ووقف عند الحائط وحدّثه فحادثه. فأمر بهدم الحائط. فلما ير شيئا. فعاد إلى بيته وقد كثر تعجّبه.
وازدادت فتنة الناس بالحائط. وبعث المحتسب من يكشف له الخبر:
هل انقطع الكلام بعد تخريب الحائط؟ فوجده الرجلُ يتكلم كما كان قبل خرابه.
فتحيّر من ذلك. وكان هذا المحتسب شهماً جريئاً، قد مارس الأمور، وحلب الدهر أشطُره. وكان لا يتحرك حركة إلا حُمد عليه، ولا باشر جهة وقْْفٍ إلا عَمُر خرابُه، وإذا باشر حسبة القاهرة رخصت الأسعار، ]فإذا عُزِل ارتفعت، فتقف العامة وتطلب إعادته ليُمْن إقباله.
فلما عاد قاصده إليه، وأخبره بأن الكلام مستمّر، قام من فوره ومعه عدة من أصحابه حتى جلسوا عند الجدار، وأخذوا في قراءة شيء من القرآن، ثم طلب صاحب البيت وقال له:
قل لهذا المتكلم، القاضي العجمي يسلم عليك.
فقال: يا سيدي، الشيخ القاضي يسلم عليك.
فقال الجدار: وعليه السلام ورحمة اللّه وبركاته.
فقال المحتسب: قل له، إلى متى هذا الفساد؟
فأجابه: إلى أن يريد اللّه تعالى.
فقال: قل له هذا الذي تفعله فتنة للناس، وما هو جيد.
فأجابه:
ما بقي بعد هذا كلام.
وسكت، وهم يقولون له: يا سيدي الشيخ! فلم يكلمهم بعدها.
وكان في صوته غلظة يوحي بأنه ليس كلام إنس. فلما أيس الشيخ العجمي من مكالمته، قام عنه وقد اشتدت فتنة الناس بالحائط حتى كانوا يتخذوه معبودا لهم. وغلوا فيه كعادتهم، وزعموا له ما شاءوا من تُرَّهاتهم، وحمل إليه الأمراء والأعيان المأكل وغيره، والمحتسب يدّبر في كشف الحيلة.
ثم ركب المحتسب يوما إلى دار ابن الفيشي، وقبض عليه وعلى امرأته، وعاد بهما إلى داره. ومازال يستدرجهما حتى اعترفت المرأة بأنها هي التي كانت تتكلم، وأن الذي دعاها إلى ذلك أن زوجها كان يسيء عشرتها، فاحتالت عليه بهذه الحيلة لتوهمه بأن الجان توصيه بها. فتمت حيلتها عليه، وانفعل لها، فأعلمته بما كان منها، فرأى زوجها أن تستمر على ذلك لينالا به جاهاً ومالاً، فوافَقَتْه.
فركب المحتسب إلى الأمير الكبير وأعلمه بقول المرأة، فضرب الأمير الكبير ابن الفيشي بالمقارع، وضرب المرأة بالعصّي نحواً من ستمائة ضربة، وأمر بهما فسُمِّرا على جملين، وشُهَّرا بالقاهرة. فكان يوما شنيعاً، عظم فيه بكاء الناس على المرأة، وكثُر دعاؤهم على المحتسب !.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحتسب: من كان يتولى منصب الحسبة، وهو متصرف على شؤون العامة من مراقبة الأسعار والموازين، ورعاية الآداب، وأحوال المدارس ... الخ.
*************************************************
[color=red]القصة رقم 4


الحب والطعام
كان أبو الحارث حسين يُظهِر لجارية من المحبة أمراً عظيماً. فدعتْه وأخّرت الطعام إلى أن أضاق، فقال:
يا سيدتي، مالي لا أسمع للغداء ذكراُ؟
فقالت:
يا سبحان الله! أما يكفيك النظر إليّ وما ترغبه فيّ من أن تقول هذا؟!
فقال:
يا سيدتي، لو جلس جميل وبثينة من بكرة إلى هذا الوقت لا يأكلان طعاماً لبصق كلُّ واحد منهما في وجه صاحبه !
************************************************************القصة رقم 5



المتنبي وبائع البطيخ
قيل للمتنبي:
قد شاع عنك من البخل في الآفاق، ما قد صار سَمَراً بين الرفاق.
وأنت تمدح في شعرك الكرم وأهله، وتذم البخل وأهله. ألست القائل:
ومن يُنفِق الساعاتِ في جمع ماله**مخافةَ فقرٍ، فالذي فَعَل الفقرُ.
ومعلوم أن البخل قبيح، ومنك أقبح، فإنك تتعاطى كبرَ النفس، وعُلوُّ الهمة، وطلبَ الملك، والبخل ينافي ذلك.
فقال:
إن للبخل سبباً، وذلك أني أذكر أني وردتُ في صباي من الكوفة إلى بغداد. فأخذتُ خمسة دراهم بجانب منديلي، وخرجت أمشي في أسواق بغداد. فمررتُ بصاحب دكان يبيع الفاكهة، ورأيت عنده خمسة من البِطِّيخ باكورة. فاستحسنتها، ونويت أن أشتريها بالدراهم التي معي.
فتقدَّمتُ إليه وقلت:
بكم تبيع هذه الخمسة بطاطيخ؟
فقال بغير اكتراث:
اذهب، فليس هذا من أَكْلِك !
فتماسكتُ معه وقلت:
يا هذا، دع ما يغيظ واقصِد الثمن.
قال:
ثمنها عشرة دراهم !


فلِشدة ما جَبَهَني(1) به ما استطعتُ أن أخاطبه في المساومة. فوقفتُ حائراً، ودفعتُ له خمسة دراهم فلم يقبل. وإذا بشيخ من التجار قد خرج من الخان(2) ذاهبا إلى داره. فوثب إليه صاحب البطيخ من الدكان، ودعا له، وقال:
يا مولاي، هذا بطيخ باكورة، بإجازتك(3) أَحمله إلى البيت؟
فقال الشيخ:
ويحك، بكم هذا؟
قال:
بخمسة دراهم.
قال:
بل بدرهمين !
فباعه الخمسة بدرهمين، وحملها إلى داره، ودعا له، وعاد إلى دكانه مسروراً بما فعل.
فقلت:
يا هذا، ما رأيت أعجب من جهلك. اسْتمْتَ(4) عليّ في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنتُ قد أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعته بدرهمين محمولا !
فقال:
اسكت ! هذا يملك مائة ألف دينار !
فعلمتُ أن الناس لا يكرمون أحداً إكرامهم من يعتقدون أنه يملك مائة ألف دينار. وأنا لا أزال على ما تراه حتى أسمع الناس يقولون إن أبا الطيب قد ملك مائة ألف دينار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جبه: صدم.

(2) الخان: كلمة فارسية ومعناها هنا إما الحانوت أو محل نزول المسافرين (الفندق).

(3) بإجازتك: بعد إذنك.

(4) استام البائع على المشتري: غَالَى في الثمن المطلوب.
************************************************************القصة رقم 6


شُرَيْح القاضي وابنه
يُحكى أن ابناً لشُرَيْح القاضي قال لأبيه:
إن بيني وبين قومٍ خصومة. فانظر في الأمر، فإن كان الحقُّ لي خاصمْتُهم(1)، وإن لم يكن لي الحقُّ لم أُخاصم.
ثم قصَّ قصته عليه. فقال شُريح:
انطلق فخاصمهم.
فانطلق إليهم فخاصمهم، فقضى شُريح على ابنه(2)! فقال ابنه له لما رجع إلى أهله:
والله لو لم أتقدّم إليك بطلب النُّصح لم أَلُمك. فَضَحْتَني!
فقال شريح:
يا بني، والله لأنت أحبُّ إلي من ملء الأرض مثلهم. ولكن الله هو أعزّ عليّ منك. خشيتُ أن أخبركَ أن القضاء عليك فتصالحهم على مال فتذهب ببعض حقهم!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ

(1) خاصمتهم: قاضيتهم.
(2) قضى عليه: حكم ضده.
************************************************************
القصة رقم 7

قصة العطار والعِقْد
قَدِم رجل إلى بغداد في طريقه إلى الحج، وكان معه عِقد يساوي ألف دينار. فاجتهد في بيعه فلم يجد له مشترياً. فجاء إلى عَطَّار موصوف بالخير، فأودعه إيّاه.
ثم حج وعاد، وأتاه بهدية. فقال له العطار:
من أنت؟ وما هذا؟
فقال:
أنا صاحب العقد الذي أودعتك.
فما كلَّمه حتى رفسه العطار رفسة رماه عن دكانه. وقال:
تدعي عليَّ مثل هذه الدعوى!
فاجتمع الناس وقالوا للحاج:
ويلك! هذا رجل خير. ما وجدتَ من تدّعي عليه إلا هذا؟!
فتحيّر الرجل، وتردّد إليه، فما زاده إلا شتماً وضرباً.
فقيل للحاج:
لو ذهبت إلى عضُد الدولة(1) ، فله في هذه الأشياء فراسة.
فكتب الحاج قصته، ورفعها إلى عضد الدولة. فصاح به فجاء.
فسأله عن حاله، فأخبره بالقصة. فقال عضد الدولة:
اذهب إلى العطار بكرة، واقعد على الدّكّة أمام دكانه. فإن منعك فاقعد على دكةٍ تقابله من الصّبح إلى المغرب، ولا تكلمه. وافعل هكذا ثلاث أيام، فإني أمرّ عليك في اليوم الرابع، وأقف، وأسلّم عليك، فلا تَقُم لي، ولا تزِدني على ردّ السلام وجواب ما أسألك عنه.
فجاء الحاج إلى دكان العطار ليجلس فمنعه، فجلس بمقابلته ثلاث أيام. فلما كان في اليوم الرابع، اجتاز عضد الدولة في موكبه العظيم. فلما رأى عضد الدولة الحاج وقف، وقال:
سلام عليكم!
فقال الحاج دون أن يتحرك:
وعليكم السلام.
قال عضد الدولة:
يا أخي، تَقْدُم إلى بغداد، فلا تأتي إلينا، ولا تعرض حوائجك علينا؟!
قال الحاج:
كما اتَّفَق(2)!
ولم يشبعه الكلام(3)، وعضد الدولة يسأله ويهتّم، وقد وقف ووقف العسكر كله، والعطار قد أغمي عليه من الخوف. فلما انصرف الموكب، التفت العطار إلى الحاج فقال:
ويحك! متى أودعتني هذا العقد؟ وفي أي شيء كان ملفوفا؟ فَذَكِّرني لعلِّي أذكره!
فقال:
من صفته كذا وكذا.
فقام العطار وفتَّش، ثم نَقَضَ جَرَّة عنده فوقع العقد. فقال:
قد كنتُ نسيت. ولو لم تذكِّرني في الحال ما ذكرت!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
(1) عضد الدولة: سلطان بويهي، ضّم العراق وفارس في دولة موجودة انحلّت بعد وفاته بسبب الخلاف بين أبنائه (سنة 983م).
(2) كما اتفق: هكذا كان.
(3) لم يشبعه الكلام: لم يطل الكلام معه
************************************************************

القصة رقم 8



آفة الكيمياء الصيادلة

قال المأمون يوما ليوسف الكيميائي:
ويحك يا يوسف! ليس في الكيمياء شيء!
فقال له:
بلى يا أمير المؤمنين، وإنما آفة الكيمياء الصيادلة.
قال له المأمون:
ويحك، وكيف ذلك؟
فقال:
إن الصيدلاني لا يَطلبُ منه إنسانُ شيئاً من الأشياء، كان عنده أو لم يكن، إلا أخبره بأنه عنده، ودفع إليه شيئاً من الأشياء التي عنده، وقال:
هذا الذي طلبت. فإن رأى أمير المؤمنين أن يضع اسماً لا يُعْرَف، ويوجّه جماعة إلى الصيادلة في طلبه ليبتاعه، فليفعل.
فقال له المأمون:
قد وضعتُ اسماً، وهو (سقطيثا). و(سقطيثا) ضيعة تقرب من مدينة السلام.
ووجّه المأمون جماعة من الرُّسل، يسأل الصّيادلة عن (سقطيثا)، فكلهم ذكر أنه عنده، وأخذ الثمن من عند الرّسل، ودفع إليهم شيئا من حانوته.
فصاروا إلى المأمون بأشياء مختلفة، فمنهم من أتى ببعض البذور، ومنهم من أتى بقطعة من حجر، ومنهم من أتى بو بر



------------------------------------------------------------


القصة رقم 9



وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك

كان الخوارج إذا أصابوا في طريقهم مسلماً على خلاف معتَقَدِهم، قتلوه لأنه عندهم كافر، وإذا أصابوا نصرانيا استوصوا به وقالوا: احفظوا ذمَّة نَبِيّكم!
وقد حكي أن واصل بن عطاء أقبل في رُفقة(1) فأحسّوا بالخوارج.
فقال واصل لأهل الرفقة:
إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم.
وكانوا قد أشرفوا على العطب(2)، فقالوا: شأنك!
فخرج واصل إلى الخوارج فقالوا له:
ما أنت وأصحابُك؟
قال:
قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله ويفهموا حدوده.
قالوا:
قد أجَرْناكم.
قال:
فعلِّمونا.
فجعلوا يعلِّمونه أحكامهم، ويقول واصل:
قد قبلت أنا ومن معي.
قالوا:
فامضوا مُصاحَبين(3) فقد صرتم إخوننا.
فقال:
بل تُبْلِغُوننا مَأمَنَنَا لأن الله تعالى يقول: ( وإنْ أحدٌ من المشركين استجار ك فَأَجِرْه حتى يسمعَ كلامَ الله ثم أَبْلِغْهُ مَأمَنَه).
فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ذلك لكم. فساروا معهم بجَمْعِهم حتى أبلغوهم المأمن!


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1) في رفقة: مع رفاق له.

(2) أشرفوا على العطب: كادوا يهلكون من الخوف.

(3) امضوا مصاحبين: صحبتكم السلامة.

------------------------------------------------------------


القصة رقم 10

العَنْز الحسناء


ادّعى رجلٌ النبوة في مدينة إصبهان في زمن أبي الحسين بن سعد.
فأُتِيَ به، واُحضر العلماءُ والعظماء والكبراء كلهم. وقيل له:
من أنت؟
فقال: أنا نبيّ مُرسل.
فقيل له:
ويلك! إن لكل نبيّ آية. فما آيتك وحجّتك؟
فقال:
معي من الحجج ما لم يكن لأحد قبلي من الأنبياء والرسل!
فقيل له: أظهرها.
فقال:
من كان منكم له زوجة حسناء، أو بنت جميلة، أو أخت صبيحة، فليحضرها إليّ أُحْبِلْها بابن في ساعة واحدة.
فقال أبو الحسين بن سعد:
أما أنا فأشهد أنك رسول، واعفني من ذلك.
وقال له رجل:
نساءٌ ما عندنا. ولكن عندي عَنْز حسناء، فأحبِلْها لي.
فقام الرجل يمضي، فقيل له: إلى أين؟
قال:
أمضي إلى جبرائيل وأُعَرِّفه أن هؤلاء يريدون تَيْساً ولا حاجة بهم إلى نبي!
************************************************************


القصة رقم 11


من آداب مخاطبة الملوك
دخل الأصمعيّ(1) يوماً على هارون الرشيد بعد غيبة كانت منه. فقال له الرشيد:
يا أصمعيّ، كيف كنتَ بعدي؟
فقال:
ما لاقَتْني بعدَك أرضٌ.
فتبسّم الرشيد. فلما خرج الناس، قال للأصمعي:
ما معنى قولك ( ما لاقتني أرض)؟
قال:
ما استقرّت بي أرض، كما يُقال فلان لا يليق شيئاً أي لا يستقرّ معه شيء.
فقال الرشيد:
هذا حسن. ولكن لا ينبغي أن تكلمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه، فإذا خَلَوتَ فعلِّمني، فإنه يقبح بالسلطان أن لا يكون عالماً: إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم إذا لم أُجِب، وإما أن أجب بغير الجواب فيعلم من حولي أني لم أفهم ما قلتَ.
قال الأصمعيّ: فَعَلَّمَني الرشيد يومها أكثر مما عَلَّمْتُه.
ـــــــــــــــــــ

(1) الأصمعي: ( 740 – 738م) من مشاهير علماء اللغة.
************************************************************

القصة رقم 12

الأمير وورقة الآس(1)
قرأت في سِيرَ العجم أن أردشير سار إلى الحَضْر، وكان ملك السواد(2)
متحصِّناً فيها. فحاصره فيها زماناً لا يجد إليه سبيلاً، حتى رَقِيَت(3) ابنة الملك يوماً فرأت أردشير فعشقتْه. وأخذت نُشَّابة(4) وكتبت عليها:
إن أنت شَرَطْتَ لي أن تتزوجني، دَلَلْتُك على موضع تفتتح منه هذه المدينة بأيسر حيلة وأخفّ مؤونة.
ثم رمت بالنُّشّابة نحو أردشير. فكتب الجواب في نُشّابة:
لكِ الوفاءُ بما سألتِ.
ثم ألقاها إليها. فكتبت إليه تدلّه على الموضوع، فأرسل إليه أردشير فافتتحه، ودخل هو وجنوده، وأهل المدينة غافلون، فقتل ملكها وتزوّجها.
فبينما هي ذات ليلة على فراشه، أنكرتْ مكانَها(5) حتى سهرت لذلك عامة ليلتها. فنظروا في الفراش فوجدوا تحت الحشيّة ورقة من ورق الآس(6) قد أثّرت في جِلْدِها. فسألها أردشير عند ذلك عما كان أبوها يغذوها به، فقالت:
كان أكثر غذائي الشّهد والزّبد والمخ.
فقال أردشير:
ما أحدٌ ببالغٍ لك في الحِباء والإكرام مبلغ أبيك. ولئن كان جزاؤه عندك على جُهد إحسانه مع لُطف قرابته وعِظَم حقِّه جُهْدَ إساءتك، ما أنا بآمن لمثله منك.
ثم أمر بأن تُعْقَد قرونُها بذنب فرس شديد المِراح جَموح، ثم يُجْرَى. ففُعِل ذلك حتى تساقطت عضواً عضواً.
ـــــــــــــ

(1) استخدم هانس أندرسن هذه القصة في قصته (الأميرة وحبة البِسِلَّى).

(2) السَّواد: الريف والقرى.

(3) رَقِيت القصر: صعدت إلى سطحه.

(4) النُشَّابة: السّهم.

(5) أنكرت مكانها: المعنى هنا أنها استخشنته وأرقت بسببه.

(6) الآس: الريحان، نبات ذو ورق دائم الخضرة، كان عنوان النصر عند قدماء اليونان.



------------------------------------------------------------

القصة رقم 13
تقويم الكلام
كان بسجستان(1) شيخ يتعاطى النّحو. فقال يوماً لابنه:
إذا أردت أن تتكلم بشيء فاعرضه على عقلك، وفكّر فيه بجهدك حتى تقّومه، ثم أخرج الكلمة مقّومة.
فبينما هما جالسان في بعض الأيام في الشتاء، والنار تتّقد، وقعت شرارة في جُبَّة خزّ كانت على الأب، وهو غافل والابن يراه. فسكت الابن ساعة يفكِّر ثم قال:
يا أبت، أريد أن أقول شيئاً، فتأذن لي فيه؟
قال أبوه:
إنْ حقاً فتكلم.
قال: أراه حقاً.
فقال: قل.
قال: إني أرى شيئاً أحمر.
قال: ما هو؟
قال: شرارة وقعت في جُبَّتك.
فنظر الأب إلى جبُبَّته وقد احترق منها قطعة. فقال للابن:
لِمَ لَمْ تُعْلِمْني سريعاً؟
قال:
فكرت فيه كما أمرتني، ثم قوَّمت الكلام وتكلمت فيه.
فحلف أبوه بالطلاق أن لا يتكلم بالنحو أبداً!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سجستان: إقليم في وسط آسيا بين إيران وأفغانستان.


***********************************************************

القصة رقم 14


أيسر محفوظاته كتاب الأغاني
حدّث الوزير الأندلسي أبو بكر محمد ابن الوزير أبي مروان عبد الملك ابن زهر، قال:
بينما أنا قاعد في دهليز دارنا وعندي رجل ناسخ أمرته أن يكتب لي (كتاب الأغاني) لأبي فرج الاصفهاني، إذ جاء الناسخ بالكراريس التي كتبها، فقلت له:
أين الأصل الذي كتبَ منه لأُقابل(1) معك به؟
قال: ما أثبت به معي.
فبينما أنا معه في ذلك إذ دخل الدهليز علينا رجل بذُّ الهيئة(2)، عليه ثياب غليظة أكثرُها صوف، وعلى رأسه عمامة قد لاثها(3) من غير إتقان لها.
فحسبته لما رأيته من بعض أهل البادية. فسلَّم وقعد، وقال لي:
يا بنّي، استأذن لي على الوزير أبي مروان.
فقلت له: هو نائم. هذا بعد أن تكلّفتُ جوابه غاية التكلّف؛ حملني على ذلك نزوةُ الصبا، وما رأيتُ من خشونة هيئة الرجل ثم سكت عني ساعة وقال:
ما هذا الكتاب الذي بأيديكما؟
فقلت له: ما سؤالك عنه؟
فقال:
أحسب أنِ أعرف اسمه، فإني كنت أعرف أسماء الكتب!
فقلت: هو كتاب الأغاني.
فقال: إلى أين بلغ الكتاب منه؟
قلت: بلغ موضع كذا.
وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به. فقال:
وما لِكَاتِبك لا يكتب؟
قلت:
طلبتُ منه الأصل الذي يكتب منه لأُعارض به هذه الأوراق، فقال: لم أجئ به معي.
قال: يا بنّي، خُذ كراريسك وعارض.
قلت: بماذا؟ وأين الأصل؟
قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي.
فتبسَّمتُ من قوله، فلما رأى تبسُّمي قال:
يا بنَّي، أمسك عليّ.
فأمسكت عليه، وجعل يقرأ، فو الله إن أخطأ واواً ولا فاءً، قرأ هكذا نحواً من كراستين، ثم أخذت له في وسط السِّفر(3) وآخره، فرأيت حفظه في ذلك كله سواء.
فاشتَّد عجبي، وقمت مسرعاً حتى دخلت على أبي فأخبرته بالخبر، ووصفت له الرجل. فقام كما هو من فَوْره، وكان ملتفاً برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر الرأس، حافي القدمين، لا يرفُقُ على نفسه، وأنا بين يديه، وهو يُوسعني لوماً، حتى ترامى على الرجل وعانقه، وجعل يقبّل رأسه ويديه ويقول:
يا مولاي اعذرني، فو الله ما أعلمني هذا الجِلْفُ إلا الساعة.
وجعل يسبّني، والرجل يُخَفِّض عليه ويقول: ما عرفني. وأبي يقول:
هَبْه ما عرفك، فما عُذره في حسن الأدب؟
ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه، وخلا به فتحّثا طويلاً. ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافياً حتى بلغ الباب. وأمر بدابته التي يركبها فأُسْرِجتْ، وحلف عليه لَيْركَبَنَّها ثم لا ترجع إليه أبداً.
فلما انفصل(4) قلت لأبي:
من هذا الرجل الذي عظَّمته هذا التعظيم؟
قال لي:
اسكت ويحك! هذا أديب الأندلس وإمامها وسيّدها في علم الآداب. هذا ابن عبدون، أيسرُ محفوظاته كتاب الأغاني!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
(1) يقابل: يراجع.

(2) بذّ الهيئة: زري الملبس.

(3) لاثها لفّها.:

(3) السِّفر: الكتاب.

(4) انفصل: خرج.


------------------------------------------------------------


القصة رقم 15


عند نخّاس(1) الدّواب

قال الهيثم بن عديّ:
بينما أنا بكُناسة(2) الكوفة، إذا برجل مكفوف البصر قد وقف على نخّاس من نخّاسي الدواب. فقال له:
أبْغِنِي حماراً ليس بالصغير المحتقَر، ولا بالكبير المشْتًهًر، إذا خلا له الطريقُ تدفّق، وإذا كثُر الزِِّحام ترفّق، وإن أقللتُ علفَه صَبَر، وإن أكثرتُه شكَر، وإذا ركبتُه هام، وإن ركبه غيري نام!
فقال له النخاس:
يا عبد الله اصبر، فإذا مسخ الله القاضي حماراً أصبتَ به حاجتك إن شاء الله!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
(1) نخاس الدواب: بائعها.

(2) الكناسة: موضع إلقاء القمامة.









------------------------------------------------------------


القصة رقم 16

شهادة الحمير
كان بمكة رجل يجمع بين الرجال والنساء، ويحمل لهم الشراب فشُكِيَ إلى عامل مكة، فنفاه إلى عرفات، فبنى بها منزلاً، وأرسل إلى إخوانه فقال:
ما يمنعكم أن تعاودوا ما كنتم فيه؟
قالوا: وأين بك وأنت في عرفات؟
فقال: حمار بدرهم، وقد صِرتم على الأمن والنُّزهة.
ففعلوا، فكانوا يركبون إليه حتى فسدت أحداث مكة.(1) فعادوا بشكايته إلى والي مكة، فأُرسل إليه وأُتيَ به. فقال الرجل:
يكذبون عليّ، أصلح الله الأمير.
فقالوا: دليلنا على ما نقول أن تأمر بحمير مكة فتُجمع وتُرسَل بها أمناءُ إلى عرفات، ثم يرسلونها،(2) فإن لم تقصد لمنزله من بين المنازل كعادتها إذا ركبها السفهاء فنحن غير مبطلين.
فقال الوالي: إن في هذا لدليلاً وشاهداً عدلاً.
فأمر بحمير من حمير الكراء(3) فجُمعت ثم أُرسلت، فصارت إلى منزله كما هي من غير دليل. فأعلمه بذلك أمناؤه، فقال:
ما بعد هذا شيء. جَرِّدوه!
فلما نظر الرجل إلى السّياط قال:
لابدّ أصلحك الله من ضربي؟
قال: نعم.
قال: والله ما في ذلك شيء هو أشدّ عليَّ من أن يشمت بنا أهلُ العراق ويضحكوا منا ويقولوا: أهل مكة يجيزون شهادة الحمير!
فضحك الوالي وخلّى سبيله.

(1) أحداث مكة: شبابها.

(2) يرسلونها: يطلقونها وحدها.

(3) الكراء: الأجرة.




------------------------------------------------------------


القصة رقم 17


العدل المرغوب عنه
شكا أهل بلدة إلى المأمون والياً عليهم، فقال:
كذبتم عليه. صحَّ عندي عدلُه فيكم وإحسانُه إليكم.
فقال شيخ منهم:
يا أمير المؤمنين، فما هذه المحبّة لنا دون سائر رعيّتك؟ قد عدل فينا خمس سنين، فانْقُلْه إلى غيرنا حتى يشمَل عدلُه الجميع، وتربح معنا الكل!
فضحك المأمون وصرفه عنهم.
------------------------------------------------------------


القصة رقم 18
رغيف بألف دينار

في أيام المستنصر الفاطمي، وقع بمصر الغلاء الذي فَحُش أمرُه، وشنع ذكره. وكان أمده سبع سنين، وسببه ضعف السلطنة، واختلال أحوال المملكة، واستيلاء الأمراء على الدولة، واتصال الفتن بين العربان، وقصور النيل.
وقد استولى الجوع لعدم القوت حتى بيع الإردب من القمح بثمانين ديناراً، وأُكِلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمس دنانير.
وتزايدت الحال حتى أكل الناسُ بعضهم بعضاً. وكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم حبال فيها كلاليب(1)، فإذا مرَّ بهم أحد ألقوها عليه، ونشلوه في أسرع وقت، وشرّحوا لحمه وأكلوه. وجاء الوزير يوماً إلى الخليفة على بغلته، فأكلتها العامة، فشنق طائفة منهم، فاجتمع عليهم الناس فأكلوهم.
ومن غريب ما وقع أن امرأة من أرباب البيوتات أخذت عِقداً لها قيمته ألف دينار، وعرضته على جماعة في أن يعطوها به دقيقاً. وكان يُعتَذَر إليها إلى أن رحمها بعض الناس، وباعها به كيس دقيق. فلما أخذته أعطت بعضه لمن يحمله ويحميه من النهّابة في الطريق. فلما وصلت إلى باب زويلة، تسلّمته من الحُماة له ومشت قليلاً. فتكاثر الناس عليها وانتهبوه نهباً. فأخذت هي أيضاً مع الناس من الدقيق ملء يديها، لم ينُبها غيره. ثم عجنته وشوته، فلما صار قرصة أخذتها معها، وتوصَّلت إلى أحد أبواب القصر، ووقفت على مكان مرتفع، ورفعت القرصة على يديها بحيث يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها:
يا أهل القاهرة ! ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناسَ بأيامه حتى تقّومت عليّ القرصة بألف دينار !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكُلاّب: حديده معطوفة الرأس كالمخلب.


------------------------------------------------------------


القصة رقم 19


الرشيد وهدايا خرسان.
ركب يحي بن خالد البرمكي يوماً مع هارون الرشيد، فرأى الرشيد في طريقه أحمالاً، فسأل عنها، فقيل له:
هذه هدايا خرسان بعث بها إليك واليها علّي بن عيسى بن ماهان.
وكان ابن ماهان وَليهَا بعد الفضل بن يحي البرمكي. فقال الرشيد ليحي:
أين كانت هذه الأحمال في ولاية ابنك ؟!
فقال يحي:
كانت في بيوت أصحابها.
فأفحم الرشيد وسكت.


------------------------------------------------------------


القصة رقم 20

الشاعر المُغَنِّي
كان حُنَين شاعراً مُغَنِّيناً فحلاً من فحول المغنِّين(1). وكان نصرانياً يسكن الحِيرة(2)، ولم يكن بالعراق غيره، فاستولى عليه في عصره. وقَدِم ابنُ مُحْرِز المغني إلى الكوفة، فبلغ خبرُه حُنَيْناً، فخشي أن يعرفه الناسُ فَيَسْتَحْلُوه ويستوليَ على البلد فيسقُط هو. فتلطّف له حتى دعاه، فغنّاه ابنُ مُحرز لحناً، فسمع ما هاله وحيّره. فقال له حنين:
كم مَنَّتْك نفسك من العراق؟
قال: ألفَ دينار.
فقال: فهذه خمسمائة دينار عاجلة، فخُذها وانصرف، واحلف لي أنك لا تعود إلى العراق.
وكان ابنُ مُحْرِز صغير الهمّة، لا يحبّ عِشرة الملوك، ولا يُؤْثر على الخَلْوة شيئاً. فأخذها وانصرف.
ثم قدم الحِيرةَ ابن سُريج المغني ومعه ثلاثمائة دينار. فأتى بها منزل حُنين، وقال:
أن رجل من أهل الحجاز، بلغني طِيبُ الحيرة وجَودة خمرها، وحُسن غنائك، فخرجت بهذه الدنانير لأنفقها معك وعندك، ونتعاشر حتى تنفذ وأنصرف.
فسأله حنين عن اسمه ونَسَبه، فَغَيرَّهما، وانتمى إلى مخزوم. فأخذ حنين المال منه وقال:
مُوَفَّرُ مالُك عليك، ولك عندنا كلُّ ما يحتاج إليه متلُك ما نَشِطْتَ للمُقام عندنا، فإذا دَعَتْكَ نفسُك إلى بلدك جَهَّزناك إليه، ورددنا عليك مالك.
وأسكنه داراً كان ينفرد فيها، فمكث عنده شهرين لا يعلم حنين ولا أحد من أهله أنه يُغَنّي، حتى انصرف حنين من دار الوالي في يوم صائف مع قيام الظَّهيرة، فصار إلى باب الدار التي كان أَنزل ابنَ سُريج فيها، فوجده مغلقاً. فارتاب بذلك، ودقَّ الباب فلم يُفتح له ولم يُجبه أحد.
فصار إلى منازل الحُرَم فلم يجد فيها ابنتَه ولا جواريها، ورأى ما بين الدار التي فيها الحُرَم ودار ابن سُريج مفتوحاً. فانتضى سيفه ودخل الدار ليقتل ابنته، فلما دخلها رأى ابنته وجواريها وقوفاً على باب السرداب وهنَّ يُومِئْنَ إليه بالسكوت وتخفيف الوطء. فلم يلتفت إلى إشارتهن لِمَا تدخله، إلى أن سمع تَرَنُّم ابن سريج. فألقى السيف من يده، وصاح به ـ وقد عرفه من غير أن يكون رآه، ولكن بالنَّعْت والحِذْق:
أبا يحي، جُعلتُ فداءك، أتيتنا بثلاثمائة دينار لتنفقها عندنا في حِيرتنا! فوحقِّ المسيح لا خرجتَ منها إلا ومعك ثلاثمائة دينار وثلاثمائة دينار وثلاثمائة دينار، سوى ما جئت به معك!
ثم دخل عليه فعانقه ورحّب به، ثم صار معه إلى الوالي فوصَلَه بعشرين ألف درهم.
وكان المغنون في ذلك العصر ربعة نفر: ثلاثة بالحجاز هم ابن سريج والغَرِيض ومَعْبَد، وحُنين وحده بالعراق. فاجتمع الثلاثة بالحجاز فتذاكروا أمر حنين، وقالوا: ما في الدنيا أهلُ صناعة شرّ منا؛ لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز، لا نزوره ولا نستزيره(3)؟! فكتبوا إليه، ووجّهوا إليه نفقة، وكتبوا يقولون:
نحن ثلاثة وأنت وحدكَ، فأنت أولى بزيارتنا.
فَشَخَص إليهم(4). فلما كان على مرحلة من المدينة بَلَغَهم خبرُه، فخرجوا يتلقَّوه. ودخلوا المدينة، فلما صاروا في بعض الطريق قال لهم معبد: صِيروا إليَّ. فقال له ابن سريج: إن كان لك من الشرف والمروءة مثلُ ما لمولاتي سُكَينة بنت الحسين عَطَفْنا إليك. فقال: ما لي من ذلك شيء.
وعَدَلوا إلى منزل سكينة. فلما دخلوا إليها أَذِنَت للناس إِذْناً عاماً، فَغَصَّت الدارُ بِهم ليسمعوه، وصعِدوا فوق السطح وازدحموا عليه، فسقط الرِّواق على مَن تحته فمات حنينُ تحت الهدم.
ـــــــــــــــــــ

(1) من فحول المغنين: من عظمائهم.

(2) الحِيرة: بلدة في العراق بين النجف والكوفة.

(3) نستزيره: نطلب منه زيارتنا.

(4) شخص إليهم: رحل قاصداً إياهم.



------------------------------------------------------------


القصة رقم 21


ويل للمكذِّبين
لما غضب هارون الرشيد على ثمامة بن أشرس المعتزلي(1)، دفعه إلى سلام الأبرش، وأمره أن يضيّق عليه، وأن يدخله بيتاً ويطين عليه ويترك فيه ثقباً. ففعل دون ذلك، وكان يدسّ إليه الطعام. فجلس سلام عشيةً وهو يقرأ في المصحف، فقرأ (ويل يومئذٍ للمكذَّبين). فقال ثمامة:
إنما هو (المكذِّبين). وجعل يشرح ويقول: (المكذَّبون) هم الرُّسُل، و(المكذِّبين) هم الكفار.
فقال سلام:
قد قيل لي أنك زنديق ولم اُصدَّق!
ثم ضيّق عليه أشدّ الضيق.
ثم رضي الرشيد عن ثمامة فجالسه. فقال له يوماً:
أخبرني عن أسوأ الناس حالاً.
قال ثمامة:
عاقل يجري عليه حكم جاهل.
فظهر الغضب في وجه الرشيد. فقال ثمامة:
يا أمير المؤمنين، ما أحسبني وقعتُ بحيث أردت.
قال: لا والله، فاشرح.
فحدّثه بحديث سلام، فضحك الرشيد حتى استلقى.


القصة رقم 22


شرطُ نظْمِ الشِّعر
استأذن أبو نواس خلفاً الأحمر(1) في نظم الشعر، فقال له:
لا آذن لك في عمل الشعر إلا أن تحفظ ألف مقطوع للعرب ما بين أرجوزة وقصيدة ومقطوعة.
فغاب عنه مدة وحضر إليه، فقال له:
قد حفظتُها.
فقال له خلف الأحمر: أَنشِدْها.
فأنشده أكثرها في عدة أيام. ثم سأله أن يأذن له في نظم الشعر، فقال له:
لا آذن لك إلا أن تنسى هذه الألف أرجوزة كأنك لم تحفظها.
فقال له:
هذا أمرٌ يصعب عليَّ، فإني قد أتقنت حفظها.
فقال له:
لا آذن لك إلا أن تنساها.
فذهب أبو نواس إلى بعض الأديرة، وخلا بنفسه، وأقام مدّة حتى نسيها. ثم حضر فقال:
قد نسيتها حتى كأن لم أكن حفظتها قط.
فقال له خلف:
الآن انظم الشِّعر!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خلف الأحمر (توفي عام 796م) راوية وعالم بالأدب وشاعر من أهل البصرة. وهو من أعلم أهل زمانه بالشعر.
avatar
Admin
Admin

عدد المساهمات : 110
تاريخ التسجيل : 10/12/2009
العمر : 21
الموقع : صالح باي سطيف

http://aymenefateh.forumactif.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى